عبد الملك الثعالبي النيسابوري
31
فقه اللغة
ومحاسن أقواله وأفعاله التي يعيا بها الواصفون أنموذجات « 1 » من الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ * فإذا تذكرتها في تلك المرابع ، التي هي مراتع النواظر ، والمصانع التي هي مطالع العيش الناضر ، والبساتين التي إذا أخذت بدائع زخارفها ، ونشرت طرائف مطارفها ، طوى لها الديباج الخسرواني ، ونفى معها الوشي الصنعاني « 2 » ، فلم تشبه إلا بشيمه ، وآثار قلمه ، وأزهار كلمه ، تذكرت سحراً ونسيماً ، وخيراً عميماً ، وارتياحاً مقيماً ، وروحاً وريحاناً ونعيماً . وكثيراً ما أحكي للإِخوان والأصدقاء : أني استغرقت أربعة أشهر هناك بحضرته ، وتَوَفَّرْتُ على خِدْمتِه ، ولازمْتُ في أكثر أوقات الليل والنهار عَالِي مَجْلِسهِ ، وتعطَّرْتُ عند ركوبه بغبار موكبه . فباللَّه يميناً « 3 » قد كنتُ غنياً عنها « 4 » ، لو خِفْتُ حِنْثاً فيها ، أنّي ما أنكرتُ طَرَفاً من أخلاقهِ ، ولم أُشَاهِدْ إلا مجداً وشرفاً من أحواله وما رأيته اغتابَ غائباً ، أَوْ سَبَّ حَاضِراً ، أَوْ حَرَم سَائِلًا ، أو خَيَّب آمِلًا ، أَوْ أَطَاعَ سُلْطَانَ الغَضَبِ والحَرْدِ ، أو تَصَلَّى بنار الضَّجَر في السَّفَرِ ، أو بَطَسَ بَطْشَ المتجبِّر ، وما وَجَدْتُ المآثر إلا ما يتعاطاه ، ولا المآثِمَ إلا ما يَتَخَّطاهُ ، فعوَّذْتُهُ باللَّه ، وكذلك الآن ، من كل طَرْفٍ عَائِنٍ ، وَصَدْرٍ خَائِنٍ . هذا ، ولو أعارتني خُطَبَاءُ إياد « 5 » ألسنتها ، وكتاب العراق أيديها في وصف أَيَادِيه ، التي اتَّصَلَتْ عندي كاتِّصالِ السُّعُودِ ، وانتظمت لَدَيَّ فِي حَالَتَي حُضُورِي وَغَيْبَتِي كانتظامِ العُقُود . فَقَلْتُ في ذكرها طالباً أَمَدَ الإِسْهَابِ ، وكَتَبْتُ في شُكْرِها مَادًّا أَطْنَابِ الإِطْنَابِ ، لَمَا كنت بعد الاجتهاد إلا مَاثِلًا في جانب القُصُور ، متأخراً عن الغرض المَقْصُود ، فكيف وأنا قاصِرٌ سَعْيَ البَلَاغة ، قَصِيرُ بَاعِ الكتابة .
--> ( 1 ) بهامش ( ح ) : « أنموذجات : عيون الشيء وخياره ، والأنموذج الطائفة من الشيء ، وقيل : المثال كالمثال من العلم » . ( 2 ) في ( ح ) : لاسكنداني ، تحريف . ( 3 ) في ( ط ) : أقسم يميناً . ( 4 ) في ( ط ) : عنها غنياً ، وبعدها في ( ط ) العبارة ، ( وما كنت أُوليها ) . ( 5 ) بإزائه في ( ح ) : قبيلةٌ من العرب . وهي قبيلة اشتهرت بالفصاحة ، ومن أشهر خطبائها قسُّ بن سَاعِدةَ الإِيادي .